عفيف الدين التلمساني
303
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : إن رأيتني فيك كما رأيتني في كل شيء قلّ حبّك للدنيا ) . قلت : الذين يرونه فيهم هم الذين قيل لهم : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [ فصّلت : الآية 53 ] وأما كون حبه للدنيا يقل فلعلو همته بمشهوده عن الدنيا ، وأما كونه وصفه بقلة الحب ولم يصفه بعدم الحب بالكلية ؛ فلكونه يرى ربه في كل شيء ومن جملة الأشياء الدنيا فيما يمكن المشاهد تركها . قوله : ( وقال لي : إن شغلتك بدلالة الناس عليّ فقد طردتك ) . قلت : هذا ظاهر المعنى . قوله : ( وقال لي : أنا وشيء لا نجتمع وأنت وشيء لا تجتمع ) . قلت : أما كونه تعالى وشيء لا يجتمع فلأن الحق تعالى لا يراه سواه فلا يحضر بحضرته غيره ، فهذا ظاهر . وأما قوله : وأنت وشيء لا تجتمع ، فإنما يريد إن أنت أعني لفظ أنت تدل على ثبوت الأنانية ، وإنها ما أمحت فهي لا تجتمع بشيء لأن الشيء إنما يراد به الحق تعالى ، فالحق لا يجتمع ببشر ، وبشريته باقية حتى تفنى ، وأما أن يراد به شيء آخر من الأشياء المخلوقة ، فحقائق الخلق لا تجتمع ، ولذلك قال ترجمان « 1 » هذه الطائفة شعر : فما في من شيء لشيء موافق * وما منك لي لشيء مخالف فصرّح بأن الخلق ما فيه شيء لشيء موافق ، وأما قوله وما منك لي بشيء لشيء مخالف فالمراد ما ذكرناه من أن الحق تعالى لا يراه سواه . قوله : ( وقال لي : إن كان مأواك القبر فرشته لك بيدي وإن كان مأواك الذكر نشرت عليك ذكري وإن كنت أنا حسبك فما فيّ قبر ولا ذكر ولا مسرح ولا وكر ) . قلت : يعني بالمأوى المقام ، أي إن كان مقامك عقيدة أنك تنام في القبر فأنت تستحق أن أفرشه لك بيدي ، وأما إن كان مقامك اعتبار ذكري دون كل شيء
--> ( 1 ) يراد به الشيخ الأكبر والكبريت الأحمر محيي الدين بن عربي الحاتمي الطائي ومن أشهر كتبه الفتوحات المكيّة ، وفصوص الحكم ، توفي سنة 638 ه .